عن فلسفة التصوير والتعصب الفني واتساع الرؤية
من الحاجات اللي دايمًا بتلفت نظري في عالم التصوير الفوتوغرافي، إن كل مجموعة من المصورين تقريبًا شايفة إن نوع التصوير اللي بتمارسه هو الأهم والأصعب والأكثر قيمة فنية، وإن الأنواع التانية أقل منه في المستوى أو العمق أو حتى الإبداع.
مصور الحياة البرية ممكن يشوف إن تصوير الشارع مجرد ضغطة زر على مشهد عابر، ومصور الشارع ممكن يشوف إن تصوير الحياة البرية مجرد انتظار طويل لحيوان يظهر قدام العدسة.
مصور المناظر الطبيعية ممكن يعتبر تصوير البورتريه مجرد إضاءة وموديل، ومصور البورتريه ممكن يشوف إن تصوير المناظر الطبيعية مجرد مكان جميل ربنا خلقه والمصور مالوش فضل كبير في جماله.
ومصور التصوير الفلكي ممكن يشوف إن باقي الأنواع ما فيهاش نفس مستوى التخطيط والصبر والتحديات التقنية، بينما مصور آخر ممكن يعتبر تصوير النجوم مجرد إعدادات وتعريض طويل ومعالجة للصورة.
وكل واحد عنده منطقه الخاص، وكل واحد قادر يدافع عن وجهة نظره بمنتهى الثقة.
لكن السؤال اللي دايمًا بيشغلني:
هل إحنا فعلًا بنقيّم أنواع التصوير المختلفة بناءً على فهم حقيقي ليها، ولا بنحكم عليها من حدود تجربتنا الضيقة؟
أنا شخصيًا، ومع تعمقي في أكتر من مجال من مجالات التصوير، بدأت أكتشف حقيقة مختلفة تمامًا.
كل نوع تصوير دخلت فيه بعمق غيّر في طريقة تفكيري، وأضاف لي بُعد جديد ما كنتش هكتشفه لو فضلت حابس نفسي في نوع واحد.
تصوير الحياة البرية علّمني الصبر، واحترام الطبيعة، وفهم سلوك الكائنات قبل حتى ما أفكر أرفع الكاميرا.
تصوير الشارع علّمني أقرأ البشر، وألاحظ التفاصيل الصغيرة، وأشوف الحكايات اللي بتحصل حوالينا كل يوم من غير ما حد ينتبه ليها.
تصوير المناظر الطبيعية علّمني إن الجمال مش مجرد مكان، لكنه علاقة بين الضوء والوقت والتكوين، وإن نفس المشهد ممكن يتحول لعشرات الحكايات المختلفة حسب رؤيتك ليه.
التصوير الفلكي علّمني التواضع قدام اتساع الكون، وخلاني أدرك قد إيه إحنا صغيرين أمام مشهد أكبر بكتير من حدود إدراكنا اليومي.
تصوير البورتريه علّمني إن الصورة مش مجرد ملامح وشكل، لكنها علاقة إنسانية وثقة وتواصل، وإن أحيانًا نظرة واحدة ممكن تحكي أكتر من ألف تفصيلة.
والتصوير المعماري علّمني أشوف النظام والهندسة والخطوط والمساحات بطريقة مختلفة، وأفهم إزاي الإنسان بيترك أفكاره وثقافته في المباني اللي بيصممها.
والأجمل من ده كله إن الخبرات دي ما بتفضلش منفصلة عن بعضها.
الصبر اللي اتعلمته من تصوير الحياة البرية بيخدمني في تصوير الشارع، وفهم الضوء اللي اكتسبته من تصوير المناظر الطبيعية بيغير أسلوبي في البورتريه، والإحساس بالتكوين اللي اكتسبته من التصوير المعماري بيظهر في صوري للطبيعة.
كل نوع تصوير بيعلّمني لغة جديدة، ومع كل لغة جديدة قدرتي على التعبير بتكبر.
وهنا بدأت أفهم إن المشكلة مش في تفضيل نوع تصوير على نوع آخر. من الطبيعي جدًا إن كل واحد فينا يكون عنده شغف بمجال معين، ويحبه أكتر من غيره، ويتخصص فيه ويبدع.
المشكلة الحقيقية بتبدأ لما يتحول الشغف إلى تعصب، ولما يتحول التخصص من وسيلة للتعمق إلى جدار يمنعنا من رؤية أي قيمة خارج عالمنا.
التخصص ممكن يخليك مصور أفضل في مجالك، لكن الانفتاح ممكن يخليك فنان أعمق وإنسان أكثر وعيًا.
وفي فرق كبير بين الاتنين.
المصور اللي بيحتقر الأنواع الأخرى لأنه مش بيمارسها، مش بالضرورة بيحمي قيمة فنه، هو أحيانًا بيحمي نفسه من الاعتراف إن فيه عوالم كاملة لسه ما اكتشفهاش.
وده في رأيي مش مقتصر على التصوير.
إحنا بنعمل نفس الشيء في حياتنا، في أفكارنا، وفي ثقافتنا، وفي طريقة تعاملنا مع الناس.
بنميل إننا نعتبر اللي نعرفه هو الحقيقة الكاملة، واللي بنحبه هو الأفضل، واللي مختلف عننا أقل قيمة.
ومع الوقت، بيتحول عالمنا الصغير إلى المقياس اللي بنحكم بيه على العالم كله.
والمفارقة إن الإنسان كل ما يتمسك بيقينه ويرفض التجارب المختلفة، كل ما رؤيته بتضيق، حتى لو كان مقتنع إنه وصل لأعلى درجات الفهم.
أما اللي بيقبل إنه يتعلم من تجارب مختلفة، ويدخل عوالم مش مألوفة ليه، ويسمح لنفسه إنه يشوف الأشياء من زوايا جديدة، فبيكتشف إن معرفته السابقة ما كانتش غلط بالضرورة، لكنها كانت ناقصة.
الانفتاح مش معناه إنك تتخلى عن قناعاتك، لكنه معناه إنك ما تعتبرش قناعاتك حدودًا نهائية للحقيقة.
وده يمكن أهم درس اتعلمته من التصوير.
إن الكاميرا مش مجرد أداة لتسجيل العالم، لكنها وسيلة لإعادة اكتشافه، وإن قيمة التصوير مش بس في الصورة اللي بنطلع بيها، لكن في الإنسان اللي بنتحول ليه أثناء رحلتنا لصناعة الصورة.
ممكن تكون متخصص في نوع واحد من التصوير وتوصل فيه لمستوى استثنائي، وده شيء يستحق التقدير. لكن مش معنى إنك وصلت للقمة في جبل معين إن بقية الجبال أقل ارتفاعًا أو أقل جمالًا.
ومش كل تجربة فنية لازم نقيسها بالصعوبة التقنية أو بندرة اللحظة أو بالمجهود المبذول.
أحيانًا صورة بسيطة جدًا تحمل إحساسًا إنسانيًا عميقًا، وصورة احتاجت شهورًا من التخطيط تحمل قيمة مختلفة تمامًا. ولا واحدة فيهم بالضرورة تلغي قيمة التانية.
الفن مش سباق لإثبات مين الأصعب، ولا منافسة على مين الأحق بلقب الفنان.
الفن في جوهره محاولة لفهم العالم والتعبير عن رؤيتنا ليه.
وكل ما اتسعت تجاربنا، اتسعت قدرتنا على الفهم.
في النهاية، أنا مؤمن إن المصور الحقيقي مش بس اللي بيتقن استخدام كاميرته، لكنه اللي بيفضل محتفظ بفضوله، ومستعد يتعلم، ويشكك في أحكامه المسبقة، ويكتشف جمالًا في أشياء كان بيعتبرها عادية أو حتى بلا قيمة.
لأن أخطر شيء ممكن يحصل للمصور مش إنه يفقد قدرته على التقاط صورة جميلة، لكن إنه يفقد قدرته على رؤية الجمال خارج الإطار اللي اعتاد عليه.
ويمكن في النهاية، الفرق بين المصور اللي بيشوف العالم من خلال عدسته، والمصور اللي بيشوف العالم كله من خلال نوع تصوير واحد، هو نفس الفرق بين إن الكاميرا تكون نافذة مفتوحة على الحياة، أو تتحول إلى جدار بيحجب عنه بقيتها.
وسّع رؤيتك قبل ما توسّع مجموعة عدساتك.
فكل نوع تصوير جديد مش مجرد مهارة بتضيفها لنفسك، لكنه نافذة جديدة بتفتحها في عقلك.
وكل نافذة بتفتحها، بتكتشف إن العالم أكبر بكتير من الصورة اللي كنت فاكر إنها كل شيء

